المؤامرة التاريخية على فلسطين

 

أقسام الموقع

 

الرئيسية
مجلة الموقع
المنتديات العربية
English Forums
مكتبة الكتب
القرآن الكريم
راسلنا

 
 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 
 
 

من مذكرات الطبيب الشريف محمد مختار المفتي - الفصل الاول
الأحرار يرحلون أولاً
خرافة .. أم رسالة من فراش الموت؟
ما كنت أؤثر أن يمتد بي زمني            حتى أرى دولة الأوغاد والسفل
 

بيت من الشعر يستذكره الشيخ الطبيب وهو يرقد في فراشه والموت يحيط به وظلام الليل ينقشع أمام ناظريه عبر نافذة حجرته. ولطالما أطل الشيخ بنفاذية بصيرته فأدرك أن الفجر لا محالة بازغ، ولكن الموت أيضا ليس إلا رداء العودة إلى الوطن، ولقد كان له في قوله تعالى (إنك ميت وإنهم ميتون) أكبر العزاء في نفسه . فبعد أن شهد العقود والعهود تتعاقب هاوية في هذا العصر الأصم، أيقن أن الأحرار يرحلون أولاً .. الأحرار الذين ما كان لزمن النقصان والخسران أن يحتويهم. كان الشيخ يعلم أن زمن القلة والندرة قد أتى عليه وهو في مقتبل العمر من شبابه في مطلع هذا القرن، كان يعلم تمام العلم أنه زمن الذل والهوان، زمن الانحطاط والخذلان .. كان الشيخ يعلم أنه زمن استبعاد العلماء والأحرار ونعتهم بعدم الكفاية والدراية كما كان يعلم أن أعمدة المشانق أصبحت سندهم حين أضحت السجون مأواهم ومناطق الإبعاد موئلهم. وكان الأهم من هذا وذاك إدراك الشيخ الشريف أنه زمن تربع الرويبضة على الكراسي الواهنة التي تم نسجها بحبائل الوكالة اليهودية وأصابع الإنجليز وبنادقهم.
لقد كانت الرحلة مضنية وشاقة في جنوب بلاد الشام آنذاك ولكن رسالة الطب الإنسانية ووحدة عقيدته وثمن عروبته ونسبه الطاهر الزكي كانت كلها عوامل مضيئة في حربه مع المرض والجهل والفقر والبطالة والظلم. ويرقد الشيخ الذي لا يسعه حتى فراشه لكبر حجمه وضخامة بنيته وطول قامته يصلي منتظرا أمر ربه وقد طاله ما طاله من المرض والفقر والظلم، هذه الآفات الثلاث التي عاش يكافح لتخليص أبناء وطنه منها.

لقد درس في إسطانبول أواخر العهد العثماني وشهد كيف كان الانقلاب عام (1908) م على السلطان عبد الحميد الثاني .. مثلما عاين الضعف والوهن في جسم الدولة والتي كان يقال عنها الرجل المريض .. إلى أن قامت الحرب العالمية الأولى والتي أطاحت بما تبقى للدولة من سيطرة ووجود، وكيف انتهت الدولة التي دام سلطانها خمسة قرون .. كل هذا كان حاضرا في وجدان وعقل الشريف الطبيب مثلما شهد عساكر الغرب الصليبية وهي تذرع الأرض العربية طولا وعرضا و تتنكر لوعودها وعهودها المزعومة التي قطعتها للعرب في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم من جبال طوروس شمالا وحتى البحر الأحمر جنوبا..